عزيزة أعبي.. قابلة مغربية من كندا تروي تجربة الهجرة وتقدّم نصائح للراغبين في اتخاذ القرار

 

عزيزة أعبي.. قابلة مغربية من كندا تروي تجربة الهجرة وتقدّم نصائح للراغبين في اتخاذ القرار


أصبحت هجرة الأطر التمريضية نحو الخارج، خاصة نحو كندا، ظاهرة متنامية تثير نقاشًا واسعًا داخل الوسط الصحي المغربي، بين من يراها بحثًا مشروعًا عن ظروف عمل أفضل، ومن يعتبرها نزيفًا للموارد البشرية.

في هذا الحوار، نستضيف  الزميلة عزيزة أعبي ممرضة قابلة اختارت الهجرة إلى كندا للاستقرار والعمل هناك، للحديث بصراحة عن دوافع القرار، ومسار الهجرة، وتجربة معادلة الشواهد، والفوارق بين ظروف العمل في المغرب وكندا، مع تقديم نصائح واقعية لكل من يفكر في خوض التجربة.

---

 الحوار


س: هل يمكن أن تقدّمي نفسك للقراء من حيث المسار المهني والتجربة التي راكمتها قبل الهجرة؟

ج: السلام عليكم أعزائي القراء، بداية يشرفني التواجد معكم في هذه المنصة الرائعة، وأشكر جزيل الشكر المشرفين على هذه المبادرة، كما أشكركم على تخصيص وقتكم لقراءة هذا الحوار.

سأقدّم نفسي للذين لا يعرفونني من قبل: أنا عزيزة، كنت قابلة في المغرب لمدة خمس سنوات، خريجة المعهد العالي للمهن التمريضية وتقنيات الصحة ISPITS، دفعة 2015–2018 من معهد مراكش. حاصلة أيضًا على إجازة في علم النفس سنة 2023 من جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، كما أنني ناشطة على مواقع التواصل الاجتماعي منذ أزيد من ثلاث سنوات.


س: متى بدأت فكرة الهجرة تراودك؟ وهل كان القرار وليد لحظة، أم نتيجة تراكمات مهنية وشخصية؟

ج: فكرة الهجرة راودتني لأول مرة عندما كنت لا أزال طالبة في المعهد، لكنني لم أُعطِها آنذاك وقتًا كبيرًا للتفكير. غير أن الأمر تغيّر بعد ولوجي سوق العمل واصطدامي بالواقع المرّ للمهنة. في تلك اللحظة، بدأت أفكر بجدية وأرسم خطواتي نحو كندا بكل حزم وعزيمة.


س: ما الأسباب والدوافع الأساسية التي جعلتك تفكرين في الهجرة إلى كندا بالذات؟

ج: في تخصص القبالة، كانت أغلب المراجع العلمية التي ندرسها مصدرها كندا، كما كنت ألاحظ أنها دولة سبّاقة في كل ما يتعلق بصحة المرأة، وكان هذا دافعي الأول. أما الدافع الثاني فهو اللغة، إذ تعتمد كندا لغتين رسميتين: الفرنسية والإنجليزية، ما جعل الأمر أسهل مقارنة بتعلّم لغة جديدة في بلد لا أملك عنه معرفة مسبقة.


س: هل كان القرار سهلًا على المستوى الإنساني والعائلي؟ وكيف تعاملتِ مع جانب الغربة والابتعاد عن الوطن؟

ج: بطبيعة الحال لم يكن القرار سهلًا، وكما أقول دائمًا لمتابعيّ: “لو كان الأمر سهلًا لفعلَه الجميع”. الابتعاد عن الأم والأب والعائلة صعب جدًا، خاصة وأن كندا بعيدة جغرافيًا، وليست قريبة مثل فرنسا أو ألمانيا.

والدي كان دائمًا ضد فكرة الهجرة، خصوصًا قبل زواجي، إذ كان يرى أنه سيبقى قلقًا عليّ كفتاة وحيدة في بلد بعيد. بعد تخرّجي، عُرضت عليّ فرصة متابعة الماستر في فرنسا، لكنه رفض الفكرة بشكل قاطع. بعد زواجي، أعتقد أنه اطمأن عليّ أكثر، خاصة حين علم أنني في أيدٍ أمينة.

أما والدتي، فهي إلى الآن لم تتقبل الفكرة بشكل كامل، ولا تزال تصارع مع واقعها، لذلك أؤكد أن القرار لم يكن سهلًا أبدًا.

وبخصوص الغربة، لم أجد صعوبة في التأقلم، فمنذ اللحظة الأولى في كندا شعرت وكأنني عدت إلى وطني. اندمجت بسرعة في المجتمع، كوّنت صداقات قوية مع كنديين، انخرطت في أعمال تطوعية، وتعلمت أنشطة جديدة. بين العمل والحياة الاجتماعية، لم أشعر بالاغتراب، رغم أن الشوق للعائلة يبقى دائمًا، وهو ضريبة الهجرة التي لا مفر منها.


س: كيف تصفين ظروف عمل القابلة في المغرب مقارنة بتجربتك الحالية في كندا، سواء من حيث بيئة العمل أو المسؤوليات أو الاحترام المهني؟

ج: مهنة القبالة في المغرب كانت قاسية جدًا، حيث يقوم شخص واحد بعمل فريق كامل. لا توجد حدود واضحة لما لك وما عليك، وقد تُحاسَب إذا قمتَ بعمل ما، وتُحاسَب أيضًا إذا لم تقم به في وضعية أخرى. هذه الضبابية القانونية تجعل القابلة دائمًا بين المطرقة والسندان، وتخلق توترًا مزمنًا يؤثر نفسيًا على جميع القابلات والأطر التمريضية.

أما هنا، فأشتغل كمساعدة في العلاج في بيئة يسودها الوضوح التام في المهام والمسؤوليات، ولا يوجد توتر لأن كل شيء محدد ومعروف. صحيح أن طبيعة المسؤوليات مختلفة، لكن الاحترام والتقدير اللذين نحصل عليهما هنا، سواء من الزملاء أو من المؤسسة، أكبر بكثير مما عشته سابقًا.


س: على مستوى الأجر، ساعات العمل، والتوازن بين الحياة المهنية والشخصية، ما أبرز الفوارق التي لمستِها؟

ج: الأمر هنا يعتمد على اختيارات الشخص نفسه، وهذا ما أجده جميلًا. يمكنك العمل لساعات طويلة أو في أكثر من وظيفة دون قيود، كما يمكنك اختيار التوازن الذي يناسبك بين حياتك المهنية والشخصية.

عند التقدم لأي وظيفة، يتم سؤالك عن الأوقات المتاحة لك، ويتم ضبط جدول العمل بناءً على ذلك. الأجر غالبًا يكون بالساعة، ويتراوح في مدينة أوتاوا بين 18 و32 دولارًا للساعة، والأجر الأكثر شيوعًا هو 22 دولارًا. لا مجال للمقارنة مع المغرب، لكن الدخل هنا يوفر حياة أكثر استقرارًا وحرية في الاختيار.


س: مسألة معادلة الشواهد تشكّل هاجسًا كبيرًا… كيف كانت تجربتك؟

ج: لا أزال في طور المعادلة، وربما أجيب عن هذا السؤال بعد سنة أو أكثر. هذه المرحلة تتطلب صبرًا ووقتًا ومالًا، لكنها جزء من الطريق الذي اخترناه.

لهذا أشتغل حاليًا كمساعدة في العلاج، لأنها مهنة غير مقننة، ريثما أنهي إجراءات المعادلة التي تسمح لي بمزاولة مهنتي الأصلية بعد اجتياز التكوين والامتحانات المطلوبة.


س: كم استغرق مسار المعادلة والتأهيل المهني؟

ج: ما زلت في طور هذه المرحلة، وقد غيّرت المسار من القبالة إلى التمريض، وهو مسار أطول ويتطلب تكوينًا إضافيًا ثم اجتياز امتحان الولوج للمهنة.


س: من الناحية العملية، ما هي طرق الهجرة التي يمكن أن يسلكها الممرض أو القابلة نحو كندا؟

ج: أنصح بشدة باختيار المسارات التي تمنح الإقامة الدائمة، مثل “الدخول السريع” أو “أريما”، وتجنب عقود العمل المؤقتة إلا كحل أخير، لأنها تقيّد حرية الشخص وتضعه تحت ضغط المشغّل.


س: هل شعرتِ بصدمة مهنية أو ثقافية في البداية؟

ج: نعم، وكانت صدمة قوية، خاصة خلال فترات التدريب، حيث كان التركيز كبيرًا على حماية المهني نفسيًا وجسديًا، وتوفير دعم نفسي مجاني وسري. كنت أتألم وأنا أقارن ذلك بما عشته في المغرب، حيث لم نكن نسمع عن هذه الأمور رغم الضغط الهائل الذي نعيشه.


س: من خلال تجربتك، ما الصورة التي يحملها النظام الصحي الكندي عن مهنة القابلة؟

ج: بصراحة، لا أملك تجربة مباشرة في هذا الجانب لأجيب بدقة.


س: هل ترين أن الهجرة كانت الخيار الأفضل لك؟ وهل تفكرين في العودة؟

ج: نعم، كانت الخيار الأفضل مهنيًا وشخصيًا. العودة للمغرب ممكنة كزيارة، لكن الاستقرار النهائي هناك غير مطروح حاليًا.


س: ما أكثر فكرة مغلوطة حول الهجرة إلى كندا؟

ج: الفكرة المغلوطة الأولى هي الاعتقاد بإمكانية الاشتغال مباشرة كممرض هنا دون الخضوع لأي تكوين أو اجتياز امتحان. أما الفكرة الثانية، فتتمثل في ظنّ بعض الممرضين المتخصصين، كممرض التخدير والإنعاش أو ممرضة الصحة الجماعاتية، أنهم يستطيعون العمل في نفس تخصصهم هنا، وهو اعتقاد غير صحيح بدوره. إذ يمكن الاشتغال هنا كممرض في مجالات ومؤسسات مختلفة، غير أن التكوين والدراسة تكون عامة وموحَّدة، بحيث لا يُعترف إلا بصفة واحدة هي "ممرض"، دون وجود تخصصات ضمن التكوين.


س: ما النصائح التي تقدّمينها لمن يفكر في الهجرة؟

ج: أن يحدد أسبابه الحقيقية للهجرة، ويكون مقتنعًا بها، لأن الهجرة ليست جنة، والتعايش مع صعوباتها مرتبط بمدى وضوح دوافع القرار.


سؤال أخير: ماذا تقولين لصنّاع القرار في المغرب؟

ج: المغرب يخسر سنويًا كفاءات كبيرة بسبب غياب الحماية القانونية ووضوح المسؤوليات. أول خطوة حقيقية للحد من الهجرة هي إخراج مصنف الكفاءات، لأن أي حل دون ذلك سيبقى ترقيعيًا.

إدارة الموقع
إدارة الموقع
تعليقات