يُعدّ التكوين المهني في الميدان الصحي أحد الركائز الأساسية التي تعتمد عليها المنظومة الصحية بالمغرب لتأهيل موارد بشرية قادرة على مواكبة الحاجيات المتزايدة للمؤسسات الصحية العمومية والخاصة. وفي هذا الإطار، تبرز معاهد التكوين المهني في الميدان الصحي IFPS باعتبارها مؤسسات عمومية تابعة لوزارة الصحة، أُحدثت بهدف توفير تكوين تطبيقي متخصص في عدد من المهن الصحية شبه الطبية والتقنية، بما يساهم في سد الخصاص المسجل في هذه الفئات داخل مختلف جهات المملكة.
وقد تعزز حضور هذه المعاهد خلال السنوات الأخيرة كمسار مهني واقعي وسريع لولوج سوق الشغل الصحي، بالنظر إلى تنوع التخصصات التي توفرها، واعتمادها على برامج بيداغوجية تجمع بين التكوين النظري والتدريب الميداني داخل بيئة قريبة من واقع العمل بالمستشفيات والمراكز الصحية.
توفر معاهد IFPS عرضاً تكوينياً متنوعاً يستجيب لحاجيات الميدان الصحي، موزعاً على سلكين رئيسيين هما سلك التقني وسلك التأهيل. ففي سلك التقني، يُتاح التكوين في تخصصات تشمل تقني في النقل والإسعاف الصحي، مساعد بالمركب الجراحي، تقني في معالجة وتعقيم المعدات الطبية، تقني في الكتابة الطبية الاجتماعية، إضافة إلى مساعد في التوجيه والاستقبال بالمستعجلات. أما سلك التأهيل، فيشمل تخصصات مهنية ميدانية من بينها مساعد في العلاج، مساعد في الإيواء والصحة الاستشفائية، مساعد في رعاية الرضع والأطفال، ومساعد في رعاية وطب الشيخوخة، وهي تخصصات أصبحت تشكل دعامة أساسية للفرق التمريضية والطبية داخل المؤسسات الصحية.
ويُراعى في الولوج إلى هذه التكوينات مبدأ المرونة حسب مستوى كل سلك. فشعب سلك التقني تُفتح في وجه المترشحين الحاصلين على مستوى السنة الختامية من سلك الباكالوريا كاملة، أو دبلوم التأهيل المهني أو ما يعادلهما، في حين يُشترط للالتحاق بسلك التأهيل التوفر على مستوى السنة الثالثة من السلك الإعدادي كاملة فما فوق، أو دبلوم التخصص المهني أو ما يعادلهما، وهو ما يتيح فرصاً أوسع لفئات مختلفة من الشباب للاندماج في المهن الصحية.
ويتم ولوج معاهد التكوين المهني في الميدان الصحي عبر مباراة رسمية تنظمها وزارة الصحة، تمر عبر ثلاث مراحل أساسية. تنطلق المرحلة الأولى بانتقاء أولي للمترشحين اعتماداً على دراسة ملفات الترشيح، حيث يتم الإعلان عن لائحة المقبولين لاجتياز المرحلة الثانية عبر الموقع الإلكتروني الرسمي لوزارة الصحة. وتتمثل المرحلة الثانية في اختبار كتابي في الثقافة العامة والصحة العامة، مدته ساعتان، يهدف إلى تقييم المعارف الأساسية للمترشحين وقدرتهم على الاستيعاب والتحليل. أما المرحلة الثالثة، فتتجسد في مقابلة شفوية مع لجنة متعددة التخصصات، تروم التعرف على مؤهلات المرشح، ودوافعه، وقدرته على متابعة التكوين والانخراط في متطلبات المهنة الصحية المختارة. ويتم في نهاية هذه المراحل تحديد اللائحة النهائية للناجحين مرتبة حسب الاستحقاق، في حدود المقاعد المتبارى بشأنها، مع الإعلان عنها عبر الموقع الإلكتروني للوزارة.
تعتمد الدراسة داخل معاهد IFPS اللغة الفرنسية كلغة تدريس، مع التركيز على مواد نظرية وتطبيقية تواكب خصوصية العمل الصحي. وتتراوح مدة التكوين بين سنة وسنتين حسب طبيعة كل تخصص، وتتخللها فترات تدريب ميداني إلزامية، تشكل عنصراً أساسياً لاكتساب المهارات العملية وتعزيز الجاهزية المهنية للمتدربين.
ويتميز النظام الدراسي بهذه المعاهد بانضباطه وقربه من نظام العمل داخل المؤسسات الصحية، حيث يمتد اليوم الدراسي لثماني ساعات، من الثامنة صباحاً إلى الثانية عشرة ظهراً، ومن الثانية بعد الزوال إلى السادسة مساءً، من الاثنين إلى الجمعة، مع عطلة أسبوعية يومي السبت والأحد، ما يهيئ المتدربين نفسياً ومهنياً لوتيرة العمل الصحي.
وعلى مستوى الآفاق المهنية، يتيح التخرج من معاهد IFPS فرصاً متعددة للاندماج في سوق الشغل، سواء داخل المؤسسات الصحية العمومية أو القطاع الخاص، خصوصاً في المجالات التقنية والإدارية والمساعدة الطبية. كما تشكل هذه المعاهد خياراً عملياً للطلبة الراغبين في ولوج المهن الصحية دون المرور عبر مسارات أكاديمية طويلة، من خلال تكوين مهني تطبيقي يستجيب لحاجيات الواقع الصحي الوطني.
