في قلب إصلاح منظومة التكوين الصحي بالمغرب، تحتل المعاهد العليا للمهن التمريضية وتقنيات الصحة (ISPITS) موقعًا استراتيجيًا باعتبارها مؤسسات للتعليم العالي غير التابعة للجامعات، تضطلع بدور محوري في إعداد الموارد البشرية الصحية المؤهلة. وقد أُحدثت هذه المعاهد ونُظمت وفق مقتضيات القانون رقم 101.00 المتعلق بتنظيم التعليم العالي، وكذا المرسوم رقم 2.93.602 الصادر في 29 أكتوبر 1993، وتخضع للسلطة الحكومية المكلفة بالصحة، بما يضمن ارتباط تكويناتها بحاجيات المنظومة الصحية الوطنية وتطوراتها.
وتُحدد مقرات المعاهد العليا للمهن التمريضية وتقنيات الصحة وملحقاتها بقرار للسلطة الحكومية المكلفة بالصحة، يؤشر عليه من طرف السلطة الحكومية المكلفة بالمالية، بعد استطلاع رأي مجلس التنسيق ورأي اللجنة الوطنية لتنسيق التعليم العالي، وهو ما يعكس الإطار المؤسساتي الدقيق الذي يؤطر عمل هذه المعاهد ويضمن انسجامها مع السياسة العمومية في مجال التعليم العالي والتكوين الصحي.
وتناط بالـ ISPITS مهام متعددة، في مقدمتها تكوين المهنيين في المجالات التمريضية وتقنيات الصحة، إلى جانب القيام بأعمال البحث العلمي والتكنولوجي، وإنجاز الدراسات وتقديم الخبرات في هذه المجالات. ويشمل هذا التكوين التكوين الأساسي، والتكوين المستمر، والتكوين بواسطة البحث، إضافة إلى كل ما من شأنه إفادة الطالب وفق المحيطين العام والظرفي، مع هدف واضح يتمثل في نشر المعارف وإدماج الخريجين في الحياة العملية والمهنية.
ولا يقتصر دور هذه المعاهد على التكوين الأساسي، بل يمكن لها أيضًا تنظيم دورات تدريبية ودورات للتكوين المستمر، سواء بمواقع معينة أو عن طريق المراسلة، إلى جانب حلقات دراسية وندوات في مجالات التمريض وتقنيات الصحة، لفائدة موظفي الإدارات العمومية والجماعات المحلية، ومستخدمي المؤسسات العمومية وشبه العمومية والخاصة، الوطنية والأجنبية، وكذا الأشخاص الراغبين في الاندماج في الحياة العملية أو في الحصول على ترقية مهنية. كما تضطلع المعاهد بإعداد برامج البحث العلمي والتكنولوجي الخاصة بها، والمساهمة في برامج البحوث الجهوية والوطنية والدولية، العامة أو الخاصة، قصد تطوير الأنشطة المرتبطة بالتمريض وتقنيات الصحة والميادين ذات الصلة.
وفي الإطار نفسه، تقوم المعاهد بأعمال الدراسة والخبرة لفائدة الغير، وتبرم اتفاقيات شراكة وتعاون مع مؤسسات تكوين وطنية وأجنبية ذات غرض مماثل. وباستثناء مهام التكوين الأساسي والبحث العلمي والتكنولوجي، يمكن للمعاهد إنجاز باقي الأنشطة المرتبطة بالتكوين المستمر أو الخبرة أو الدراسات أو البحث بمقابل، بناءً على اتفاقيات مع الأطراف المستفيدة، وهو ما يعزز انفتاحها على محيطها المهني والمؤسساتي.
وتتولى المعاهد العليا للمهن التمريضية وتقنيات الصحة تحضير وتسليم شهادات وطنية معترف بها، في مقدمتها الإجازة في مجموعة من المسالك. ففي مسلك العلاجات التمريضية، يشمل التكوين تخصصات ممرض متعدد التخصصات، وممرض في التخدير والإنعاش، وممرض في الصحة النفسية، وممرض في العلاجات الاستعجالية والعناية المركزة، وممرض في علاجات المواليد والأطفال، وممرض في صحة الأسرة والصحة الجماعاتية، وممرض مختص في أمراض الكلى وتصفية الدم، وممرض في أمراض الشيخوخة، وممرض مختص في العمليات الجراحية. أما مسلك تقنيات الصحة، فيضم تخصصات الإحصائيات الصحية، وصيانة المعدات البيوطبية، والمختبر، والأشعة، والحمية والتغذية، ومحضر في الصيدلة، والصحة والبيئة. ويشمل مسلك الترويض وإعادة التأهيل تخصصات مقوم البصر، ومصحح النطق، والنفساني الحركي، والمروض الطبي، وواضع أجهزة استبدال الأعضاء، والترويض بالعمل، إضافة إلى مسلك القبالة ومسلك المساعدة في المجال الطبي الاجتماعي.
وإلى جانب الإجازة، توفر هذه المعاهد تكوينات في الماستر والماستر المتخصص، وصولًا إلى الدكتوراه، ما يجعلها فضاءً متكاملاً للتكوين والبحث في المهن التمريضية وتقنيات الصحة. وبذلك، تمثل الـ ISPITS ركيزة أساسية في بناء منظومة صحية قوية، قادرة على الاستجابة لتحديات الحاضر واستشراف رهانات المستقبل، من خلال الاستثمار في العنصر البشري وتثمين الكفاءات الصحية الوطنية.
