في السنوات الأخيرة، اتسعت آفاق التكوين في مجال التمريض بالمغرب، ولم يعد ولوج هذا الميدان حكرا على حاملي البكالوريا العلمية فقط، بل أصبح متاحا أيضا أمام الحاصلين على باكالوريا الآداب، من خلال تخصصات دقيقة تستجيب لحاجيات المنظومة الصحية وتفتح آفاقا أكاديمية ومهنية واعدة. ويشكل هذا التحول فرصة حقيقية لشريحة واسعة من التلاميذ الراغبين في الاندماج في قطاع الصحة وفق مسار مهني واضح وقابل للتطور.
يُعد تخصص النفساني الحركي من التخصصات الحديثة نسبيا في المنظومة الصحية المغربية، ويهتم بتشخيص ومعالجة الاضطرابات النفسية الحركية التي تمس الأطفال والبالغين، خاصة تلك المرتبطة بالنمو، وصعوبات التعلم، واضطرابات التواصل والتركيز. يعتمد هذا التخصص على مقاربة شمولية تربط بين الجانب النفسي والحركي، ما يجعله مناسبا لحاملي باكالوريا الآداب نظرا لاعتماده الكبير على مهارات التواصل، التحليل النفسي، والفهم السلوكي. ويعمل خريجو هذا التخصص داخل المستشفيات العمومية، المراكز الاستشفائية الجامعية، مؤسسات إعادة التأهيل، والمؤسسات التربوية المتخصصة. كما يتيح هذا المسار متابعة الدراسة في ماسترات متخصصة، سواء داخل المعاهد العليا للمهن التمريضية وتقنيات الصحة أو في مجالات مرتبطة بعلم النفس، التأهيل الوظيفي، أو علوم التربية.
أما تخصص المروض الطبي، فيندرج ضمن التخصصات الأساسية في إعادة التأهيل الوظيفي، ويعنى بعلاج الإعاقات الحركية والوظيفية الناتجة عن الأمراض أو الحوادث أو العمليات الجراحية. ويرتكز هذا التخصص على برامج علاجية تستهدف استعادة الحركة وتحسين جودة حياة المرضى. ورغم طابعه التطبيقي، فإن التكوين فيه يظل مفتوحا أمام حاملي باكالوريا الآداب، خاصة لما يتطلبه من تواصل مباشر مع المرضى وفهم نفسياتهم. ويشتغل المروضون الطبيون في المستشفيات، المصحات الخاصة، مراكز الترويض وإعادة التأهيل، كما يمكنهم متابعة مسار أكاديمي عبر ماسترات متخصصة في الترويض، علوم الحركة، أو التدبير الصحي.
ويبرز تخصص واضع أجهزة استبدال الأعضاء كأحد التخصصات التقنية الدقيقة التي تجمع بين الجانب الصحي والبعد الإنساني، حيث يهتم بتصميم، تركيب، وتتبع الأجهزة التعويضية لفائدة الأشخاص في وضعية إعاقة أو فقدان أحد الأعضاء. ويتطلب هذا التخصص دقة في العمل، وقدرة على التواصل لفهم حاجيات المرضى ومرافقتهم نفسيا خلال مراحل التأهيل. ويتيح هذا المسار بدوره آفاقا مهنية داخل المؤسسات الصحية العمومية والخاصة، إضافة إلى إمكانية استكمال الدراسة في ماسترات مرتبطة بالأجهزة الطبية، التأهيل الوظيفي، أو الهندسة الصحية التطبيقية، سواء داخل ISPITS أو بمؤسسات تكوين أخرى.
ويظل تخصص المساعد الاجتماعي من أكثر التخصصات ارتباطا بالبعد الإنساني داخل المنظومة الصحية، حيث يضطلع بدور محوري في مواكبة المرضى وأسرهم، وتسهيل ولوجهم للعلاج، والتنسيق بين الطاقم الصحي والمؤسسات الاجتماعية. ويعتمد هذا التخصص بشكل أساسي على الكفايات التواصلية، والتحليل الاجتماعي، وفهم الإشكالات النفسية والاجتماعية، ما يجعله مسارا مثاليا لحاملي باكالوريا الآداب. ويشتغل المساعدون الاجتماعيون داخل المستشفيات، المراكز الصحية، والمؤسسات الاجتماعية، كما يتيح لهم التخصص متابعة دراسات عليا في العمل الاجتماعي، علم الاجتماع الصحي، أو التدبير الاجتماعي والصحي عبر ماسترات داخل وخارج ISPITS.
وتكمن أهمية هذه التخصصات في كونها لا تفتح فقط باب ولوج مهن صحية مستقرة وذات بعد إنساني قوي، بل تمنح أيضا فرصا حقيقية للتطور الأكاديمي والمهني، عبر مسارات ماستر متعددة تواكب إصلاح منظومة التكوين الصحي بالمغرب. وهو ما يؤكد أن باكالوريا الآداب لم تعد عائقا أمام الالتحاق بقطاع الصحة، بل مدخلا لمسارات نوعية تتطلب بالأساس الكفاءة، الالتزام، والرغبة في خدمة المريض والمجتمع.
