أي عدالة في تدبير الموارد البشرية؟ مقارنة بين وضعية موظفي المالية ومهنيي الصحة

 

تدبير غير متكافئ للموارد البشرية لماذا يدفع مهنيّو الصحة ثمن الإصلاح؟

يطفو إلى السطح، مع توالي القرارات الحكومية الأخيرة، تناقضٌ واضح في طريقة تعاطي الدولة مع موظفي قطاعاتها، وهو تناقض بات يثير الكثير من علامات الاستفهام، خاصة حين يتعلق الأمر بقطاع حيوي وحساس كقطاع الصحة والحماية الاجتماعية. فقد كشفت مراسلة حديثة لوزيرة الاقتصاد والمالية، السيدة نادية فتاح العلوي، موجهة إلى خازن المملكة، بشأن تفعيل القانون رقم 14-25 المتعلق بنقل موظفي الخزينة العامة، عن حرص صريح على مبدأ “الحفاظ على الحقوق المكتسبة”، باعتباره خطا أحمر لا ينبغي تجاوزه أثناء تنزيل أي إصلاح مؤسساتي.


وأوضحت المراسلة ذاتها أن عملية تعيين القابضين الجماعيين قد انطلقت فعليا لضمان حسن تسيير الهياكل الجديدة، بالتوازي مع استفادة موظفي الجماعات الترابية المعنيين بالإلحاق من برامج تكوينية هادفة، ترمي إلى تمكينهم من تولي مهامهم الجديدة بشكل أمثل ومتوافق مع المتطلبات التقنية لتدبير التحصيل، في مقاربة تُظهر بجلاء حرص وزارة الاقتصاد والمالية على مواكبة مواردها البشرية وضمان استقرارها المهني والإداري.


في المقابل، يبرز مسار مغاير تماما داخل قطاع الصحة والحماية الاجتماعية، حيث صادقت حكومة عزيز أخنوش، مطلع هذا الأسبوع، على تعميم انطلاق المجموعات الصحية الترابية بمختلف جهات المملكة، دون تقديم ضمانات واضحة وصريحة للعاملين بالقطاع بخصوص الحفاظ على صفة الموظف العمومي أو مركزية الأجور، وهو ما فجر حالة من الاحتقان غير المسبوق داخل صفوف مهنيي الصحة، وترجمته موجة احتجاجات متصاعدة في ظرفية وطنية ودولية دقيقة.


وتزداد حدة هذا التناقض وضوحا مع تزامن هذه القرارات مع العد التنازلي لاحتضان المغرب لكأس الأمم الإفريقية لكرة القدم، حيث جرى، في الوقت نفسه، تعميم مراسلات على المستشفيات الجامعية تقضي بتوقيف الرخص السنوية لمختلف الأطر الصحية والإدارية، بدعوى تعبئة كل الإمكانيات البشرية لإنجاح هذا الحدث الرياضي القاري، في مشهد يكرس منطق “الواجب دون ضمان الحقوق”، ويعمق الإحساس بالغبن داخل قطاع طالما وُضع في الصفوف الأمامية للأزمات.


من هنا، يتضح جليا وجود تمييز صارخ بين قطاعين حكوميين، أحدهما يُنظر إليه كقطاع منتج يحظى بالحماية والمواكبة، وآخر يُتعامل معه كقطاع مستهلك، رغم ما قدمه ولا يزال يقدمه من تضحيات جسام، خاصة خلال جائحة كوفيد-19، التي كشفت هشاشة المنظومة الصحية من جهة، وقوة التزام أطرها من جهة أخرى، رغم ما لحقهم من إنهاك وإعطاب نفسي ومهني.


هذا الواقع يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول التوجهات الحقيقية للحكومة في ما يخص مستقبل الصحة العمومية بالمغرب: هل نحن أمام مسار غير معلن لإعادة هيكلة القطاع على حساب حقوق العاملين؟ أم أن الأمر يتجاوز ذلك نحو توجهات أقرب إلى “تأميم شكلي” يقابله تفكيك فعلي للخدمة العمومية، في ظل موجة بيع غير مفهومة لعدد من المستشفيات العمومية وإعادة كرائها؟ وهل يُراد تكريس منطق طبقي خطير مفاده: “من يملك المال يتداوى، ومن لا يملكه يواجه مصيره”، عبر إضعاف المستشفى العمومي وتحويله إلى مجرد مورد مالي؟


إن الإجابة عن هذه الأسئلة لم تعد ترفا فكريا، بل أضحت ضرورة ملحة، في ظل ما يعيشه مهنيّو الصحة من قلق مشروع على مستقبلهم المهني، وعلى مستقبل منظومة صحية يفترض أن تكون إحدى ركائز الدولة الاجتماعية، لا ضحية إصلاحات تفتقد للعدالة والإنصاف.

إدارة الموقع
إدارة الموقع
تعليقات