يشهد النقاش العمومي في عدد من الدول المغاربية تحولات متسارعة مرتبطة بإصلاح الإدارة العمومية وترشيد تدبير الموارد البشرية، خاصة في القطاعات الحيوية ذات الارتباط المباشر بالخدمات المقدمة للمواطنين. وفي هذا السياق، أثار القرار الصادر مؤخراً في تونس، والقاضي بإلغاء ما يُعرف بنظام “التفرغ النقابي”، تفاعلاً واسعاً داخل الأوساط المهنية والنقابية، وأعاد إلى الواجهة تساؤلات مماثلة حول مستقبل هذا النظام داخل عدد من الدول، من بينها المغرب.
ويُقصد بالتفرغ النقابي تمكين بعض المسؤولين النقابيين من التفرغ الكامل لممارسة مهامهم التنظيمية والنقابية، مع احتفاظهم بوضعيتهم الإدارية وأجورهم داخل الوظيفة العمومية. وقد تم اعتماد هذا النظام تاريخياً باعتباره آلية لضمان ممارسة العمل النقابي في ظروف ملائمة، وتمكين التنظيمات النقابية من أداء أدوارها التمثيلية والتفاوضية.
غير أن التحولات التي تعرفها المنظومات الإدارية الحديثة، خاصة في ظل الضغط المتزايد على المرافق العمومية وارتفاع الطلب على الخدمات الأساسية، دفعت عدداً من الدول إلى إعادة تقييم مختلف آليات تدبير الموارد البشرية، بما في ذلك صيغ التفرغ النقابي ومدى تأثيرها على مردودية المؤسسات العمومية واستمرارية الخدمات.
وفي الحالة التونسية، جاء قرار إلغاء التفرغ النقابي في سياق إصلاحات أوسع تستهدف إعادة توزيع الموارد البشرية وتعزيز الحضور الفعلي للموظفين داخل مواقع العمل، وهو ما اعتبره البعض خطوة نحو ترشيد النفقات العمومية وتحسين الأداء الإداري، بينما أثار في المقابل نقاشاً واسعاً حول انعكاساته المحتملة على حرية العمل النقابي واستقلاليته.
أما في المغرب، ورغم اختلاف السياقات القانونية والمؤسساتية، فإن موضوع التفرغ النقابي ظل بدوره محل نقاش متكرر داخل عدد من القطاعات، خاصة تلك التي تعاني خصاصاً في الموارد البشرية، وعلى رأسها القطاع الصحي. إذ يطرح مهنيون ومتابعون تساؤلات متزايدة حول التوازن المطلوب بين ضمان الحق النقابي المشروع من جهة، والحفاظ على استمرارية المرفق العمومي وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين من جهة أخرى.
وتزداد حدة هذا النقاش في ظل الإصلاحات الكبرى التي تعرفها المنظومة الصحية الوطنية، والتي تقوم أساساً على إعادة هيكلة المؤسسات الصحية وتعزيز الحكامة وتثمين الموارد البشرية، وهو ما يجعل كل آليات تدبير هذه الموارد موضوع تقييم مستمر في ضوء متطلبات المرحلة.
ويرى متابعون أن أي مراجعة محتملة لهذا النظام، إن طُرحت مستقبلاً، ستظل مرتبطة بضرورة تحقيق توازن دقيق بين احترام الحقوق النقابية المكفولة دستورياً، وضمان النجاعة الإدارية وحسن استغلال الطاقات البشرية داخل القطاعات الحيوية، بعيداً عن أي مقاربات اختزالية أو أحكام مسبقة.
وفي ظل التطورات الإقليمية المتسارعة، يبقى السؤال مطروحاً حول ما إذا كانت التجربة التونسية ستفتح نقاشاً مماثلاً داخل المغرب، أم أن خصوصية النموذج الاجتماعي والمؤسساتي المغربي ستدفع نحو صيغ إصلاحية مختلفة تراعي السياق الوطني وتوازناته.

