في إطار تنزيل إصلاحات هيكلية تروم تعزيز نجاعة المنظومة الصحية وتحسين التكفل بالحالات الاستعجالية، أصدرت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية منشورًا يتعلق بإعادة تنظيم الشبكة المندمجة للعلاجات الاستعجالية الطبية، باعتبارها أحد المكونات الحيوية في مسار الرعاية الصحية وضمان الاستجابة السريعة للحالات الحرجة.
ويأتي هذا المنشور في سياق وطني يتسم بتزايد الضغط على مصالح المستعجلات، سواء بسبب الارتفاع المستمر في عدد الوافدين، أو نتيجة التفاوتات المجالية في العرض الصحي، وما يرافق ذلك من اختلالات في التنسيق بين مختلف مستويات التكفل، من الإسعاف الأولي إلى الاستشفاء المتخصص. وهو ما يجعل من إعادة تنظيم هذه الشبكة خطوة تنظيمية تهدف، وفق المنطق المعلن، إلى عقلنة الموارد، وتحسين التنسيق، وضمان استمرارية العلاجات الاستعجالية.
ويرتكز تصور الشبكة المندمجة للعلاجات الاستعجالية الطبية على إرساء منطق التكامل بين مختلف المتدخلين، من مصالح المستعجلات بالمؤسسات الاستشفائية، إلى وحدات الإسعاف الطبي الاستعجالي، مرورا بمراكز الاتصال والتوجيه، بما يسمح بتوجيه الحالات وفق درجة الاستعجال، وتقليص زمن التكفل، وتفادي الاكتظاظ غير المبرر داخل أقسام المستعجلات.
كما يهدف المنشور إلى توحيد الإطار التنظيمي والتدبيري للشبكة، عبر تحديد أدوار ومسؤوليات مختلف الفاعلين، وضبط مسارات التكفل بالحالات الاستعجالية، مع تعزيز آليات التنسيق بين المستويات الجهوية والإقليمية والمحلية. ويُفهم من هذا التوجه الحرص على الانتقال من تدبير مجزأ للمستعجلات إلى مقاربة شبكية تقوم على التكامل والنجاعة.
غير أن تنزيل هذا التنظيم الجديد يطرح، في المقابل، مجموعة من التساؤلات المهنية المشروعة، خاصة في ما يتعلق بمدى جاهزية البنيات التحتية والموارد البشرية لمواكبة هذا التحول التنظيمي. فنجاح أي إعادة تنظيم للشبكات الاستعجالية يظل رهينًا بتوفير الإمكانيات اللوجستيكية الكافية، والتأطير القانوني الواضح، والتكوين المستمر للأطر الصحية المعنية، إلى جانب إشراك مهنيي الميدان في تنزيل مضامين الإصلاح.
كما أن إعادة تنظيم الشبكة المندمجة للعلاجات الاستعجالية الطبية تستدعي، بحكم طبيعتها الحساسة، وضوحًا أكبر في مسألة الحكامة، وتحديد قنوات اتخاذ القرار، وضمان انسجام هذا التنظيم مع باقي الأوراش الإصلاحية التي يعرفها القطاع الصحي، خاصة تلك المرتبطة بإعادة هيكلة العرض الصحي، والجهوية الصحية، وتدبير الموارد البشرية.
وفي انتظار تفعيل مقتضيات هذا المنشور على أرض الواقع، يبقى الرهان الأساسي هو تحقيق التوازن بين الأهداف التنظيمية المعلنة، وحماية جودة الخدمات الاستعجالية، وصون ظروف اشتغال مهنيي الصحة، الذين يظلون في صلب أي إصلاح يستهدف المستعجلات الطبية باعتبارها الواجهة الأولى للمنظومة الصحية.

