خطة المجموعات الصحية الترابية بقطاع الصحة العمومي: منظور ربحي يتحدى الالتزامات الاجتماعية للدولة
إن من بين ما ابتُلينا به في هذا القطاع المنكوب منذ الاستقلال هو افتقار الفاعل السياسي والمجتمعي للدراية اللازمة والإحاطة بتحديات وعراقيل النهوض بهذا القطاع الحيوي، حيث يبرع الجميع في إطلاق الأحكام القيمية والوصم السريع لمهنيي القطاع دون أدنى مجهود في البحث والمتابعة لمفاصله التنظيمية ومداخل الحكامة، ثم الانتقال نحو تشريح الأسباب الحقيقية للفشل والذهاب إلى أبعد الحدود في اقتراح الحلول الأساسية الكفيلة برفع منسوب الجودة به كمًّا وكيفًا.
هذا الهزال التشريعي والجهل المعرفي بماهية القطاع الصحي وبأبرز تحدياته وضعف القوة الاقتراحية، فتح الباب أمام جهات أخرى (لا ترى في الإصلاح الحقيقي على نموذج الدولة الاجتماعية ربحًا لها) نحو التغلغل بأفكار نرى اليوم مآلاتها، متمثلة في "التجربة الإصلاحية" للمجموعات الصحية الترابية، التي يدّعي مقترحوها أنها كفيلة بالرفع من حكامة القطاع وترشيد موارده. لكن الباحث في عمق النصوص القانونية للترسانة التشريعية التي تم سنّها في ظرف قياسي، عبر خمسة قوانين إطار وما يقارب عشرين مرسومًا ومشروع مرسوم ونصًا تنظيميًا، صدرت بسرعة خاطفة قياسًا بمسطرة الصياغة والتدقيق والمصادقة، يجد نفسه أمام خطة حاذقة لا تحمل من الإصلاح إلا العنوان. فيما يتابع الفاعل السياسي والمجتمعي، المفتقر للإلمام الكافي لرصد الفخاخ التشريعية، هذا السباق المحموم دون قدرة على تجويد "التجربة" بما يضمن الحد الأدنى من المشروعية على الأقل.
الحصيلة اليوم هي تحويل القطاع إلى جزر جهوية تُسَيَّر بمنظور اقتصادي ربحي يُعدم الطابع الاجتماعي للقطاع، و—بقوة قوانين فُرضت في ظل كواليس تشريعية وأغلبية برلمانية مستبدة بهذا الشأن—النقل التلقائي للموظفين المرسمين ليصبحوا مستخدمين لدى مؤسسات عمومية غير قادرة، نظريًا وتطبيقيًا، على تحمل تكاليف أتعابهم وخدماتهم، والتي لا تتوفر لها الإمكانات اللازمة للوفاء بالمعايير الأساسية للجودة الكفيلة بضمان حد أدنى من "المداخيل"، وفق منطق المردودية الربحية للنموذج "الإصلاحي" الجديد.
فكرة "الإصلاح" المقترحة تقوم على تحويل التركيز نحو صناديق التغطية الصحية وفتح السوق أمام كل الفاعلين الصحيين، والعمل من داخل القطاع العام عبر تحويل مصالحه الترابية إلى مؤسسات عمومية ذات استقلال مالي وإداري، وتركه وحيدًا أمام قدرية المصير. إنها نظرة داروينية لمستقبل قطاع الصحة العمومي، كأن تُفطم وليدًا وتتركه في بيئة عدائية يسعى فيها للبحث عن قوته دون قدرة على الحركة، ودون أسنان ولا وسائل حماية أساسية.
منظور يقول لمهنيي القطاع: اذهبوا فقاتلوا، إنا هاهنا قاعدون، مع تجريدهم من حقوقهم المكتسبة وسلبهم سبل الاستقرار، ثم ترك التجربة لتأخذ مكانتها وحجمها وشكلها جهويًا حسب العرض والطلب؛ أي الحكم فعليًا—في ظل شح الموارد المالية وهشاشة الوضع الوظيفي للمهنيين—على الصحة العمومية بالانكماش لصالح ضفة أخرى تنمو بوتيرة متسارعة، في ظل الإمكانات المالية المتوفرة لدى صناديق التغطية الصحية والصناديق الاستثمارية، حتى صارت أسهم بعضها من الأكثر نموًا في البلد.
لكن هذا المنظور يتناسى معطيات جوهرية من قبيل العجز البنيوي لدى صناديق التغطية الصحية، والأرقام الكارثية فيما يخص نسب البطالة والنمو والعجز الميزانياتي... ولا يهم، فكل ما قسم الله في الصناديق يُفتح له الباب في وجه من يملك أكثر.
إننا اليوم أمام مفترق طرق بين دستورية الحق في الصحة وخوصصة القطاع، لكن الأمر ليس قدرًا محتومًا إن توفرت الإرادة السياسية لمقاومة هذا المد، بما يضمن تنفيذ إصلاح حقيقي يضع حقوق المواطنين في خدمة صحية عمومية غير ربحية، ويصون مكتسبات الشغيلة الصحية ويحسن ظروف اشتغالهم، كشرط أساسي للانطلاق.
جواد الهلالي
عضو المكتب الجهوي للنقابة المستقلة للممرضين

