حاملو ماستر التمريض وتقنيات الصحة في المغرب: الواقع والتحديات
في السنوات الأخيرة، اتجهت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية إلى اعتماد إصلاحات بيداغوجية مهمة داخل المعاهد العليا للمهن التمريضية وتقنيات الصحة، من خلال إدماج نظام الإجازة – الماستر – الدكتوراه (LMD) في مسار تكوين الأطر التمريضية والتقنية. وقد اعتُبر هذا التحول خطوة نوعية تهدف إلى الرفع من مستوى التأهيل العلمي، وتعزيز التخصص، والانفتاح على البحث العلمي داخل المهن الصحية.
غير أن هذا الورش الإصلاحي، ورغم وجاهة أهدافه، أفرز بعد تخرج أولى دفعات حاملي الماستر وضعية مهنية تطرح أكثر من علامة استفهام. فهؤلاء الأطر لم يواجهوا بطالة بالمعنى التقليدي، بل وجدوا أنفسهم داخل المنظومة الصحية في مواقع عمل لا تعكس مستوى تكوينهم، ولا تستثمر الكفاءات التي راكموها خلال مسارهم الأكاديمي المتقدم.
تكوين متقدم… دون توظيف متخصص
لقد فتحت المعاهد العليا للمهن التمريضية وتقنيات الصحة مجموعة من مسالك الماستر في مجالات متعددة، من بينها تدبير المؤسسات الصحية، جودة وسلامة العلاجات، الصحة العامة، التعليم الصحي، وغيرها من التخصصات التي يفترض أن تلعب دوراً محورياً في تحديث المنظومة الصحية.
وقد انخرط عدد مهم من المهنيين في هذه التكوينات، إيماناً منهم بأهمية تطوير مسارهم المهني والمساهمة في تحسين جودة الخدمات الصحية. غير أن الواقع بعد التخرج كشف عن فجوة واضحة بين هذا التكوين المتقدم وبين طبيعة المهام المسندة إليهم داخل المؤسسات الصحية، حيث يتم في كثير من الحالات تكليفهم بمهام تقليدية لا تتطلب هذا المستوى من التأهيل العلمي.
اختلال في ملاءمة المهام
تكمن الإشكالية الأساسية اليوم في غياب تصور واضح لملاءمة مهام حاملي الماستر مع طبيعة تكوينهم. فلا توجد خريطة وظيفية دقيقة تحدد الأدوار الجديدة التي يمكن أن يضطلع بها هؤلاء الأطر، كما لا توجد مسميات مهنية محدثة تستوعب هذا التطور في مستوى التكوين.
هذا الوضع ينعكس بشكل مباشر على مردودية التكوين نفسه، حيث يصبح الاستثمار في التأهيل العالي محدود الأثر داخل الواقع المهني، ويؤدي إلى نوع من الإحباط لدى الأطر التي كانت تنتظر أن تجد فضاءً مهنياً يسمح لها بتطبيق ما اكتسبته من معارف ومهارات.
حيرة في تدبير الموارد البشرية
هذا الارتباك لا يقتصر على الخريجين فقط، بل يشمل أيضاً الإدارات الصحية على المستوى الإقليمي والجهوي، التي تجد نفسها أمام أطر ذات تكوين متخصص دون إطار تنظيمي يوجه كيفية الاستفادة منها.
وفي غياب توجيهات واضحة، يتم اللجوء إلى حلول ظرفية، من قبيل توزيع هذه الكفاءات على مصالح لا ترتبط بتخصصاتهم، أو إسناد مهام عامة لهم، وهو ما يفرغ التكوين من جزء كبير من قيمته المضافة داخل المنظومة الصحية.
إصلاح بيداغوجي دون مواكبة تنظيمية
ما يحدث اليوم يعكس اختلالاً في تنزيل إصلاح نظام LMD داخل المهن التمريضية، حيث تم التركيز على الجانب البيداغوجي دون استكمال الشق التنظيمي والمؤسساتي.
فإحداث تكوينات على مستوى الماستر كان يقتضي، بالتوازي، التفكير في: إحداث مناصب وظيفية جديدة مرتبطة بهذه التخصصات؛
تحديد مسارات مهنية واضحة لحاملي الماستر؛
ملاءمة القوانين الأساسية مع هذا التطور في التكوين؛
إدماج هذه الكفاءات في مشاريع الإصلاح الصحي، خاصة في مجالات الجودة والتدبير والبحث العلمي.
غير أن غياب هذه الإجراءات المواكبة جعل التكوين يسبق التنظيم، وهو ما أفرز الوضع الحالي.
كفاءات قائمة… تحتاج إلى تفعيل
رغم هذه الإشكالات، فإن حاملي ماستر التمريض وتقنيات الصحة يمثلون رصيداً بشرياً مهماً يمكن أن يساهم بشكل فعّال في تطوير المنظومة الصحية، إذا ما تم توظيفهم بشكل ملائم.
فهذه الفئة مؤهلة للاضطلاع بأدوار استراتيجية، من بينها: المساهمة في تحسين جودة الخدمات الصحية؛
المشاركة في البحث العلمي والتطوير؛
التأطير والتكوين داخل المؤسسات الصحية؛
تدبير المشاريع الصحية والبرامج الوطنية؛
تعزيز حكامة المؤسسات الصحية.
غير أن تحقيق ذلك يظل رهيناً بوجود رؤية تنظيمية واضحة تضمن الاستفادة من هذه الكفاءات بالشكل الأمثل.
الحاجة إلى إعادة التوازن بين التكوين والتنظيم
إن نجاح أي إصلاح في مجال التكوين الصحي لا يقاس فقط بإحداث برامج دراسية متقدمة، بل بمدى قدرة المنظومة على إدماج خريجيها داخل هياكلها بطريقة عقلانية ومنظمة.
واليوم، أصبح من الضروري فتح نقاش مؤسساتي جدي حول موقع حاملي الماستر داخل قطاع الصحة، من أجل الانتقال من منطق التكوين إلى منطق التوظيف الفعلي للكفاءات، بما يحقق الانسجام بين مستوى التأهيل العلمي وطبيعة المهام المهنية.
فحاملو الماستر في التمريض لم يعودوا مجرد أطر تنفيذية، بل يشكلون طاقة علمية ومهنية قادرة على إحداث قيمة مضافة حقيقية داخل المنظومة الصحية، شريطة توفير الإطار القانوني والتنظيمي الذي يسمح بذلك.
وفي انتظار هذا التحول، سيظل السؤال مطروحاً داخل العديد من المؤسسات الصحية:
لدينا كفاءات عالية… لكن هل نحسن فعلاً توظيفها؟

