يونس أيت تهرى.. المستشفيات تحتاج الممرضين وخريجو التمريض عاطلون: أين الخلل؟

 

يونس أيت تهرى.. المستشفيات تحتاج الممرضين وخريجو التمريض عاطلون: أين الخلل؟


الخصاص في المؤسسات الصحية وتفاقم عطالة خريجي المعاهد العليا للمهن التمريضية وتقنيات الصحة يعكس فشل سياسة وزارة الصحة، حيث يكرّس التعاقد البطالة بدل معالجتها


ينص الدستور المغربي في الفصل 31 على ضرورة تعبئة جميع الوسائل المتاحة لتيسير استفادة المواطنات والمواطنين من الحق في العلاج والعناية الصحية، كما يؤكد في الآن ذاته على مبدأ تكافؤ الفرص في الولوج إلى الوظائف العمومية. وفي السياق نفسه، تشير فقرة تقديم القانون رقم 06.22 المتعلق بالمنظومة الصحية إلى الدور المحوري الذي يمكن أن يضطلع به المجتمع المدني في دعم الجهود الرامية إلى النهوض بالصحة وتعزيز العرض الصحي. غير أن تفعيل هذا الدور يجب أن يتم في إطار من الشفافية والوضوح، وبما يحترم القوانين المنظمة للمهن الصحية والمؤسسات العمومية، حتى لا تتحول المبادرات التشاركية إلى آليات غير مؤطرة قد تفتح المجال أمام ممارسات غير قانونية أو توظيفات تفتقر إلى المعايير المهنية المعتمدة.


وفي ظل الخصاص الكبير الذي تعرفه المنظومة الصحية بالمغرب، سارعت مجموعة من المجالس الجماعية، بشراكة مع بعض الجمعيات، إلى اعتماد آلية التعاقد من أجل تعزيز المرافق الصحية العمومية بموارد بشرية إضافية. وقد قُدِّمت هذه الخطوة باعتبارها مبادرة تهدف إلى دعم العرض الصحي وتقليص النقص الحاد المسجل في الأطر الصحية، خاصة بالمناطق التي تعاني من ضعف في الخدمات الصحية.


غير أن هذا التوجه، رغم ما يحمله من نوايا إيجابية، يثير العديد من علامات الاستفهام حول كيفية تنزيله على أرض الواقع. فالملاحظ أن أغلب هذه التعاقدات يتم توجيهها نحو هيئة الممرضين وتقنيي الصحة (الحيط القصير)، في حين يتم إغفال التعاقد مع الأطباء، ولاسيما الأطباء الأخصائيين، الذين تعرف المؤسسات الصحية خصاصاً مهولاً في تخصصاتهم. هذا الخصاص ينعكس بشكل مباشر على جودة الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين، ويؤدي إلى إطالة آجال المواعيد الطبية، خصوصاً في التخصصات الحيوية، الأمر الذي يزيد من معاناة المرتفقين ويعمّق أزمة الولوج العادل إلى العلاج.


وفي المقابل، يطرح هذا الواقع سؤالاً ملحّاً حول مصير خريجي المعاهد العليا للمهن التمريضية وتقنيات الصحة، الذين يعانون من البطالة رغم تكوينهم الأكاديمي في مختلف التخصصات الصحية. فهؤلاء الخريجون يشكلون طاقة بشرية مؤهلة كان من الأولى إدماجها ضمن منظومة التوظيف العمومي أو الاستفادة من كفاءاتها في إطار حلول مستدامة، بدل اللجوء إلى صيغ تعاقدية قد تفتقر أحياناً إلى الوضوح أو إلى الضمانات المهنية الكافية.


وما يزيد من تعقيد هذا الملف، هو ما يتم تداوله حول تورط بعض المسؤولين المحليين في الجمع بين مسؤولياتهم داخل المؤسسات الصحية وعضويتهم في جمعيات تتعاقد مع منتحلي الصفة. مثل هذه الممارسات، تطرح إشكالاً أخلاقياً وقانونياً خطيراً، وتمس بمصداقية المبادرات الهادفة إلى دعم القطاع الصحي، كما قد تفتح الباب أمام اختلالات تمس سلامة المنظومة الصحية وثقة المواطنين فيها.


إن دعم المرافق الصحية يظل هدفاً مشروعاً وضرورة ملحّة، غير أن تحقيقه يقتضي اعتماد مقاربة شمولية ومتوازنة تقوم على التخطيط السليم للموارد البشرية، واحترام الاختصاصات المهنية، وضمان الشفافية في تدبير الشراكات والتعاقدات. كما يقتضي الأمر إعطاء الأولوية لتوظيف الكفاءات الوطنية المتخرجة من المؤسسات العمومية، خاصة في ظل ارتفاع معدلات البطالة في صفوف الأطر التمريضية خريجي المعاهد العليا للمهن التمريضية وتقنيات الصحة.


فالقطاع الصحي اليوم في حاجة إلى حلول جذرية ومستدامة، لا إلى إجراءات ظرفية قد تساهم، عن غير قصد، في تعميق الاختلالات بدل معالجتها. كما أن تحسين جودة الخدمات الصحية يظل رهيناً بإرادة حقيقية لإصلاح منظومة الموارد البشرية الصحية، بما يضمن التوازن بين مختلف الفئات المهنية ويستجيب لانتظارات المواطنين في الحق في العلاج والخدمات الصحية الجيدة.


يونس أيت تهرى

عضو المكتب الإقليمي للنقابة المستقلة للممرضين بطنجة

إدارة الموقع
إدارة الموقع
تعليقات