المساعد في الميدان الطبي الإجتماعي في ميزان القانون 45.18 ومرسومه التطبيقي
شكل صدور القانون رقم 45.18 المتعلق بتنظيم مهنة العاملات والعاملين الاجتماعيين، ومرسومه التطبيقي رقم 2.22.604، محطة طال انتظارها في مسار تنظيم مهن العمل الاجتماعي بالمغرب. فبعد عقود من الممارسة غير المؤطرة قانونيا، أصبح لهذه المهنة إطار مرجعي واضح: شروط ولوج، مدونة سلوك، آلية اعتماد، وهيئة تمثيلية وطنية. غير أن قراءة متأنية للنص القانوني ومرسومه التطبيقي تكشف عن مفارقة لافتة قلما تم تسليط الضوء عليها: فمهن المساعدة الاجتماعية في المغرب تغذى من مدخلين تكوينيين أساسيين، المعهد الوطني للعمل الاجتماعي بطنجة (INAS)، التابع لوزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، والمعهد العالي لمهن التمريض وتقنيات الصحة (ISPITS)، التابع لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية، الذي يقوم بتكوين تخصص المساعد الاجتماعي الطبي كما يتم الإشارة اليه في في الملحق رقم 1 للمرسوم التطبيقي رقم 2.22.604. ومع ذلك، فإن القانون بأكمله، من المبادرة التشريعية إلى التنزيل، صدر بمبادرة أحادية من طرف واحد فقط. هذا المقال يسائل هذا الاختلال: هل نحن أمام تأطير منصف لمهنة بمدخلين، أم أمام مبادرة قطاعية أحادية توسع نفوذها المؤسساتي على حساب شريك غائب؟
لم يكن القانون 45.18 وليد صدفة إدارية، بل ثمرة مسار طويل قادته وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة منذ إحالة مشروع القانون على المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي سنة 2020. هذه الملكية الكاملة للمبادرة التشريعية ليست تفصيلا شكليا؛ بل تعكس نظرة مؤسساتية عميقة لدى وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة ترى في العمل الاجتماعي امتدادا طبيعيا لمهامها الجوهرية، من خلال التعاون الوطني ومؤسسات الرعاية الاجتماعية والنسيج الجمعوي الذي تشرف عليه.
في المقابل، لا نجد أي أثر لمبادرة موازية أو حتى مرافقة فعلية من وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، رغم أن خريجي أحد معاهدها (ISPITS) يزاولون بحكم تكوينهم أدوارا اجتماعية معترفا بها ضمنيا في لائحة الشهادات المعتمدة. وحتى وإن كانت هذه المساهمة محدودة الحجم مقارنة بما يقدمه INAS، فإنها تبقى مساهمة حقيقية وقائمة، لا تستدعي بالضرورة مبادرة تشريعية موازية بنفس الحجم، لكنها تستدعي على الأقل حضورا مؤسساتيا يوازي طبيعتها. غياب هذا الحضور، ولو بالحد الأدنى، هو ما يستدعي التوقف عنده.
لا يقتصر هذا الاختلال على الانطباع العام، بل يتجسد بشكل صريح في صلب المرسوم التطبيقي. فالمادة 8 من المرسوم 2.22.604 تحدث لجنة لدى وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، تتولى إبداء الرأي في الشهادات والدبلومات المعتمدة وفي طلبات الاعتماد، وتتشكل من رئاسة يتولاها ممثل عن وزارة التضامن، وممثل واحد فقط عن كل من: الداخلية، الرياضة، الصحة، الشغل، التكوين المهني، التعليم العالي، الشباب، ومكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل. أما العضوية المؤسساتية المباشرة والوحيدة المذكورة بالاسم فهي للمعهد الوطني للعمل الاجتماعي المساعد في الميدان الطبي الاجتماعي في ميزان القانون 45.18 ومرسومه التطبيقي.
المفارقة هنا لا تكمن في المساواة بين شريكين متكافئين، بل في غياب أي تمييز إيجابي حتى للحصة الضيقة التي يمثلها القطاع الصحي. فوزارة الصحة، الوصية على المسار التكويني الوحيد المؤهل لتخصص المساعد في الميدان الطبي الاجتماعي ، تحظى بصوت واحد فقط، على قدم المساواة مع قطاعات لا صلة مباشرة لها إطلاقا بتكوين العاملين الاجتماعيين، كالرياضة أو الشباب أو الداخلية. أما ISPITS نفسه، وهو المصدر الوحيد لهذا التخصص تحديدا، فلا يمنح أي مقعد مؤسساتي مباشر باسمه، خلافا لـ INAS الذي يحظى بعضوية مؤسساتية صريحة تعكس حجم مساهمته العامة في المهنة. بعبارة أخرى: حتى في أضيق نطاق ممكن لمساهمتها، لا تجد وزارة الصحة من يمثلها بشكل متخصص في القرارات التي قد تمس مباشرة مستقبل هذا التخصص الوحيد الذي تشرف عليه.
يبقى السؤال الأهم: هل هذا الغياب المؤسساتي لوزارة الصحة، ولو في حدود حصتها الضيقة، يعكس إهمالا فعليا لتخصص المساعد في الميدان الطبي الاجتماعي، أم يعكس ببساطة فلسفة مختلفة ترى في هذا التخصص امتدادا فرعيا هامشيا للمهام التمريضية وتقنيات الصحة، لا يستحق موقفا مؤسساتيا مستقلا حتى بالحجم المتواضع الذي يناسبه؟ فبينما استثمرت وزارة التضامن في بناء هوية مؤسساتية متكاملة لمهن العمل الاجتماعي بجميع أصنافه، من القانون الإطار، إلى منصة الاعتماد الرقمية "إشهاد"، إلى الجامعة الوطنية للعاملين الاجتماعيين، لم يواكب ذلك أي حرص مماثل، ولو بحجم أصغر يناسب حجم المساهمة، من طرف وزارة الصحة تجاه تخصص واحد تشرف عليه حصرا.
يمثل القانون 45.18 خطوة تاريخية ضرورية نحو إنهاء عقود من الممارسة غير المؤطرة في مجال العمل الاجتماعي بالمغرب، ولا يمكن التقليل من أهميته. غير أن مكوناته المؤسساتية، كما تكشفها المادة 8 من مرسومه التطبيقي، تحمل بصمة واضحة لصاحب المبادرة الوحيد: وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة. فبينما تحظى هذه الأخيرة، عبر ذراعها INAS، بتمثيلية مؤسساتية مباشرة ومؤثرة تعكس حجم مساهمتها العامة في المهنة، يبقى القطاع الصحي، رغم إشرافه الحصري على تخصص المساعد في الميدان الطبي الاجتماعي، بلا أي حضور مؤسساتي يوازي ولو هذه الحصة الضيقة، ممثلا بصوت واحد بين تسعة أصوات أخرى، أغلبها لا صلة مباشرة له بالمهنة أصلا.
إن الانتقال الحقيقي من الهواية إلى الاحترافية لا يقتصر على تأهيل الأفراد وتقنين مسارات ولوجهم للمهنة، بل يمر أيضا عبر توازن تمثيلية من يملك سلطة تعريف من هو المحترف. وإلى أن يستدرك هذا الخلل، ولو عبر تمثيلية مؤسساتية رمزية ومتخصصة لـ ISPITS في أي تحيين مقبل للمرسوم، سيظل تخصص المساعد في الميدان الطبي الاجتماعي في المغرب تابعا لقطاع لا صوت مؤسساتيا حقيقيا له في تحديد مستقبله.
رشيد حلمي
تنويه: تعبر الآراء الواردة في هذا المقال عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة الموقف الرسمي لمدونة تمريض بلوس.

