تُعد مهنة "القبالة" إحدى الركائز الأساسية في منظومة الرعاية الصحية، خصوصا في مجال صحة الأم والطفل، حيث تتحمل القابلات مسؤوليات جسيمة في ظروف مهنية غالبا ما تكون معقدة. في هذا الحوار الخاص، تفتح لنا الأخت "كوثر السباعي"، قابلة بأحد المراكز الصحية، نافذة على واقع الممارسة اليومية، متحدثة عن طبيعة العمل، الإكراهات، والتحديات التي تواجه هذا التخصص الحيوي.
تعريف بالضيفة:
- الاسم: كوثر السباعي
- الصفة: قابلة – مكوِّنة ومؤطِّرة
- سنوات الخبرة: حوالي ستة عشر (16) سنة من العمل الميداني المتواصل
- مكان العمل: اشتغلت بعدة مدن مغربية داخل سبعة مستشفيات عمومية، وأعمل حاليًا بمركز صحي، حيث أزاول مهام متعددة مرتبطة بتتبع الحمل، التوليد، والصحة الإنجابية، إضافة إلى الإسهام في التأطير والتكوين.
⸻
نص الحوار
س: بداية، هل يمكن أن تعرفينا بنفسك من حيث التكوين، سنوات الممارسة، وطبيعة المؤسسة التي تشتغلين بها حاليًا؟
ج: أنا قابلة متخرجة من المعهد العالي للمهن التمريضية بفاس، حيث تلقيت تكوينًا أكاديميًا امتد لثلاث سنوات، جمع بين التكوين النظري الصارم والتطبيق الميداني داخل المؤسسات الصحية. بعد التخرج، كانت انطلاقتي المهنية بالمستشفى الجهوي بفاس، قبل أن أنتقل للعمل بعدة مدن مغربية، داخل سبعة مستشفيات عمومية، وهو ما مكّنني من اكتساب تجربة ميدانية غنية ومتنوعة.
هذا التنقل المهني أتاح لي الاحتكاك المباشر بمختلف أنماط الممارسة، والتعامل مع حالات بسيطة وأخرى معقدة، في سياقات مختلفة من حيث الموارد، الضغط، ونوعية التدخلات.
حاليًا أشتغل بمركز صحي، بعد مسار مهني تجاوز ستة عشر سنة، قضيت منها أكثر من أربعة عشر سنة بقسم الولادة، إضافة إلى تجربة مهمة امتدت لثلاث سنوات بمصلحة الاستقبال وتدبير الحالات المستعجلة، وتتبع الحمل الخطر، وكل ما يرتبط بالصحة الإنجابية.
وأؤمن إيمانًا راسخًا أن التكوين النظري يشكل الأساس لأي مسار مهني ناجح، لكنه يظل غير مكتمل دون التجربة الميدانية، التي تصقل الشخصية المهنية، وتحوّل المعرفة العلمية إلى ممارسة واعية، مسؤولة، وإنسانية.
⸻
س: لماذا اخترتِ تخصص القبالة، وكيف كانت بدايتك المهنية الأولى؟
ج: اختياري لمهنة القبالة لم يكن وليد صدفة ولا قرارًا عابرًا، بل جاء عن قناعة عميقة تشكلت بعد تجربة ولادتي الأولى، التي كانت نقطة تحول حقيقية في حياتي. رغم أن توجهي الدراسي الأول لم يكن مرتبطًا مباشرة بهذا المجال، إلا أن تلك التجربة الإنسانية والروحية جعلتني أعي قدسية فعل الولادة، وعِظم المسؤولية الملقاة على عاتق من يرافق المرأة في هذه اللحظة الفاصلة.
بعد إنجابي مباشرة، اتخذت قرار دراسة مهنة القبالة، وأنا على يقين داخلي بأن هذا هو المسار الذي اختاره الله لي. كانت بدايتي المهنية مليئة بالتحديات، الخوف، وضغط المسؤولية، خصوصًا في مواجهة الحالات الأولى، لكن في المقابل كانت مليئة بالحماس، الإيمان، والرغبة الصادقة في التعلم، والتطور، وخدمة المرأة والطفل بأقصى درجات الالتزام والضمير المهني.
⸻
س: كيف تصفين يومًا نموذجيًا لقابلة داخل مؤسسة صحية؟
ج: اليوم المهني للقابلة يوم طويل، مكثف، ومشحون بالمسؤولية. لا يشبه يومًا آخر، ولا يخلو من المفاجآت، لأننا نتعامل مع الحياة في أدق لحظاتها. هو يوم يتطلب يقظة دائمة، سرعة في الأداء، ودقة عالية في اتخاذ القرار، لأن أي تأخر أو تهاون قد تكون له عواقب خطيرة على الأم أو الجنين.
العاطفة حاضرة بلا شك، لكنها يجب أن تكون مضبوطة وموجهة، لأن التدخل المهني السليم يحتاج عقلًا حاضرًا، ونفسًا متزنة. نعيش خلال اليوم الواحد الخوف، الضغط، الإرهاق الجسدي والنفسي، وأحيانًا لحظات توتر قصوى، لكن كل ذلك يتلاشى حين نسمع أول صرخة حياة، لحظة فرح لا توصف، تعيد للقابلة طاقتها، وتمنح لمعاناتها معنى عميقًا.
⸻
س: ما حجم المسؤولية التي تتحملها القابلة خلال تتبع الحمل والولادة؟
ج: المسؤولية التي تتحملها القابلة مسؤولية كبيرة جدًا، وقد تكون مصيرية في كثير من الأحيان. القابلة توجد في قلب الحدث، تراقب المؤشرات، تقيم الوضع الصحي، وتتخذ قرارات سريعة قد تُنقذ حياة أو تمنع مضاعفات خطيرة.
ثانية واحدة قد تُحدث فرقًا حاسمًا بين ولادة آمنة وتدخل استعجالي معقد. لذلك، فالحزم، سرعة اتخاذ القرار، واليقظة المستمرة ليست صفات إضافية، بل شروط أساسية لممارسة هذه المهنة. وأفتخر بكل ولادة مرت بسلام، وكل روح تم إنقاذها بفضل تدخل مهني في الوقت المناسب، لأن ذلك هو جوهر رسالة القبالة.
⸻
س: ما أبرز الحالات الطارئة التي تواجهها القابلة يوميًا في الممارسة المهنية؟
ج: تتعامل القابلة يوميًا مع حالات طارئة قد تتطور في ثوانٍ قليلة، وتفرض تدخلًا سريعًا ودقيقًا. من بينها نزيف ما قبل أو ما بعد الولادة، تعسر المخاض، اختلال دقات قلب الجنين، تسمم الحمل، حالات اختناق الجنين، أو ولادات مفاجئة دون أي استعداد مسبق.
خلال مساري المهني، واجهت مواقف إنسانية ومهنية لا تزال راسخة في ذاكرتي، من بينها توليد ثلاثة توائم غير متوقعين، وتجربة توليد داخل منزل بمنطقة قروية أثناء تأطير القابلات التقليديات في ظروف محدودة الإمكانيات، إضافة إلى تدخل عاجل داخل سيارة إسعاف تم خلاله إنقاذ أم كانت في وضع حرج جدًا.
هذه التجارب علمتني أن القابلة يجب أن تكون دائمًا مستعدة، متمكنة، ويقِظة، مع إيمان عميق بأن التوفيق من الله، وأن العمل الصادق لا يضيع أجره.
⸻
س: كيف تقيمين التكوين الذي تلقيته مقارنة بواقع العمل الميداني؟
ج: التكوين الأكاديمي ضروري وأساسي، لكنه لا يكتمل إلا بالممارسة الميدانية المستمرة. شاركت في حوالي أربع عشرة ورشة وتكوينًا مهنيًا، من بينها أربع تكوينات خارج المغرب، شملت مجالات متعددة، كالإيكوغرافي، التحضير النفسي والجسدي للولادة، تقنيات الولادة الطبيعية، الرضاعة الطبيعية، الصحة الإنجابية وتنظيم النسل.
كما تابعت تكوينًا في مجال الكوتشينغ، الذي أضاف لي بعدًا إنسانيًا ونفسيًا عميقًا، ومكنني من فهم المرأة بشكل أفضل، واحتواء مخاوفها، ومرافقتها نفسيًا خلال مراحل الحمل والولادة. وأؤكد أن كل مهني صحة اشتغلت معه كان مدرسة بحد ذاته، تعلمت منها الكثير.
⸻
س: ما أهم الإكراهات المهنية التي تؤثر على عمل القابلات وجودة الرعاية المقدمة؟
ج: الإكراهات المهنية متعددة، من ضغط العمل ونقص الموارد البشرية، إلى الإرهاق الجسدي والنفسي، وتحميل القابلة مهامًا خارج اختصاصها. لكن الإكراه الأكبر في نظري يظل غياب التكوين القانوني الواضح والمستمر، الذي يحمي القابلة، ويحدد مسؤولياتها بدقة، ويضمن ممارسة مهنية آمنة وعادلة تتناسب مع حجم المسؤولية الثقيلة الملقاة على عاتقها.
⸻
س: هل ترين أن مهنة القبالة تحظى بالاعتراف والدعم الكافيين داخل المنظومة الصحية؟
ج: رغم نبالة وقدسية مهنة القبالة، إلا أنها لا تزال في حاجة إلى اعتراف أكبر ودعم حقيقي، سواء على مستوى الإطار القانوني، التكوين المستمر، أو تثمين الدور المحوري الذي تلعبه القابلة في حماية صحة الأم والطفل، قبل وأثناء وبعد الولادة.
⸻
س: كيف تصفين علاقتك بباقي المتدخلين داخل فريق الولادة؟
ج: طوال مساري المهني، اشتغلت إلى جانب عشرات القابلات وأكثر من عشرين طبيبًا من تخصصات مختلفة، إضافة إلى فرق التمريض، التخدير والإنعاش، وأطباء الأطفال. هذه التجربة علّمتني أن نجاح أي ولادة لا يمكن أن يكون نتيجة عمل فردي، بل هو ثمرة تنسيق دقيق وتكامل حقيقي بين جميع المتدخلين.
داخل قاعة الولادة، تسقط الفوارق الوظيفية ويبقى الهدف واحدًا: سلامة الأم والجنين. الاحترام المتبادل، التواصل الواضح، وتقاسم المسؤولية هي أسس العمل الجماعي الناجح. في لحظات التوتر القصوى، يكون الانسجام بين الفريق عاملًا حاسمًا في اتخاذ القرار السليم في الوقت المناسب.
كما أعتز كثيرًا بتجربتي في تأطير وتكوين الطالبات القابلات، والقابلات الشابات، بل وحتى القابلات التقليديات. هذا الاحتكاك المتبادل علّمني أن المعرفة لا تسير في اتجاه واحد، فكما نعلّم، نتعلّم، وننضج مهنيًا وإنسانيًا من خلال تبادل الخبرات، خاصة الميدانية منها.
⸻
س: ما رؤيتك لمستقبل مهنة القبالة في ظل التحولات التي يعرفها قطاع الصحة؟
ج: أرى أن مهنة القبالة تقف اليوم عند مفترق طرق مهم، في ظل التحولات التي يعرفها قطاع الصحة، سواء على مستوى السياسات الصحية، تطور التقنيات الطبية، أو انتظارات النساء المتزايدة من حيث الجودة، الأمان، والمواكبة الإنسانية.
مستقبل القبالة، في نظري، واعد، لكنه مشروط بإرادة حقيقية للاستثمار في التكوين العملي المستمر، وتحسين ظروف العمل، وإدماج التكوين القانوني بشكل جدي، لحماية القابلة وضمان ممارسة مهنية آمنة. كما أؤمن بضرورة إعادة الاعتبار للولادة الطبيعية الآمنة، مع احترام الجانب النفسي والعاطفي للمرأة، وعدم اختزال الولادة في مجرد فعل طبي.
القابلة يجب أن تُعترف بها كفاعل صحي أساسي، له دور محوري في الوقاية، التتبع، والتدخل، وليس مجرد عنصر مساعد داخل المنظومة الصحية.
⸻
س: ما النصيحة التي تقدمينها للطالبات أو المهنيات الشابات المقبلات على هذا التخصص؟
ج: أنصح كل طالبة وكل قابلة شابة بأن تدخل هذا المجال وهي مدركة تمامًا أنها مقبلة على مهنة ذات أبعاد إنسانية، نفسية، وروحية عميقة، وليست مجرد وظيفة أو مصدر رزق. مهنة القبالة تتطلب الصبر، التواضع، والاستعداد لتحمل مسؤوليات جسيمة في لحظات حساسة من حياة المرأة والأسرة.
أوصيهن بالاجتهاد في التكوين، وعدم الاكتفاء بما يُقدَّم في المعاهد، بل البحث المستمر، التطوير الذاتي، والانفتاح على التجارب المختلفة. كما أن العمل بروح الفريق، واحترام الزملاء، وتجنب الصراعات المهنية والغيرة، يبقى أساسًا لنجاح أي مسار مهني صحي.
الحزم، سرعة اتخاذ القرار، وضبط العاطفة صفات ضرورية، لكن دون فقدان الإنسانية، لأن الكلمة الطيبة، والطمأنينة النفسية، أحيانًا لا تقل أهمية عن التدخل الطبي نفسه.
⸻
س: كلمة أخيرة أو رسالة تودين توجيهها في ختام هذا الحوار؟
ج: أود أن أقول في الختام إن مهنة القبالة كانت وما زالت أكثر من مجرد مسار مهني في حياتي؛ كانت مدرسة للحياة، وصقلتني كامرأة قبل أن تصقلني كقابلة. علمتني الصبر في أقسى الظروف، والقوة في لحظات الضعف، والمسؤولية حين يكون الخطأ غير مسموح به.
رغم التعب، الضغط، وقلة الاعتراف أحيانًا، يبقى شعور المساهمة في جلب الحياة إلى هذا العالم شرفًا لا يضاهيه أي مقابل. وسأظل مؤمنة بأن كل قابلة تعمل بصدق، نية صافية، وضمير حي، تترك أثرًا عميقًا، وإن لم يُرَ دائمًا.
وأخيرًا، كل التشجيع والتقدير لكل الوجوه التي عرفت معنى النضال، ولم تتخلَّ عنه يومًا، لشخصيات آمنت بعدالة المهنة، وأصرّت على الدفاع المستميت عن القابلات، وجعلت من مصالحهن همّها الأول والأخير..
